ابن قيم الجوزية

52

الروح

فإن الرؤيا على ثلاثة أنواع : رؤيا من اللّه ، ورؤيا الشيطان ، ورؤيا من حديث النفس . والرؤيا الصحيحة أقسام : منها إلهام يلقيه اللّه سبحانه في قلب العبد وهو كلام يكلم به الرب عبده في المنام كما قال عبادة بن الصامت وغيره . ومنها مثل يضربه له ملك الرؤيا الموكل بها . ومنها التقاء روح النائم بأرواح الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم كما ذكرنا . ومنها عروج روحه إلى اللّه سبحانه وخطابها له . ومنها دخول روحه إلى الجنة ومشاهدتها وغير ذلك ، فالتقاء الأرواح الأحياء والموتى نوع من أنواع الرؤيا الصحيحة التي هي عند الناس من جنس المحسوسات . وهذا موضع اضطرب فيه الناس ( فمن قائل ) إن العلوم كلها كامنة في النفس ، وإنما اشتغالها بعالم ا ؟ ؟ ؟ س يحجب عنا مطالعتها ، فإذا تجردت بالنوم رأت منها بحسب استعدادها ، ولما ك ؟ ؟ تجردها بالموت أكمل ، كانت علومها ومعارفها هناك أكمل ، وهذا فيه حق وباطل ، فلا يرد كله ولا يقبل كله ، فإن تجرد النفس يطلعها على علوم ومعارف لا تحصل بدون التجرد ، لكن لو تجردت كل التجرد لم تطلع على علم اللّه الذي بعث به رسوله ، وعلى تفاصيل ما أخبر به عن الرسل الماضية والأمم الخالية ، وتفاصيل المعاد ، وأشراط الساعة ، وتفاصيل الأمر والنهي ، والأسماء والصفات والأفعال ، وغير ذلك مما لا يعلم إلا بالوحي ، ولكن تجرد النفس عون لها على معرفة ذلك وتلقيه من معدنه أسهل وأقرب وأكثر مما يحصل للنفس المنغمسة في الشواغل البدنية . ( ومن قائل ) إن هذه المرائي علوم علقها اللّه في النفس ابتداء بلا سبب ، وهذا قول منكري الأسباب والحكم القوي ، وهو قول مخالف للشرع والعقل والفطرة . ( ومن قائل ) إن الرؤيا أمثال مضروبة ، يضربها اللّه للعبد بحسب استعداد ألفه